عثمان بن جني ( ابن جني )

378

الخصائص

واوا ، وأخرى ياء فثان لحالها . وعن ضرورة دعت ( إلى ذلك ) ؛ لوقوع الضمّة والكسرة قبلها . ولولا ذلك لما كانت إلا ألفا أبدا . فإن قلت : فهلا تبعها ما قبلها في الإنكار ؛ كما تبعها في الندبة ، فقلت في جاءني عمر : أعمراه ؛ كما تقول في الندبة : وا عمراه ؟ قيل : فرق ما بينهما أن الإنكار جار مجرى الحكاية ، والمعنى الجامع بينهما أنك مع إنكارك للأمر مستثبت ، ولذلك قدّمت في أوّل كلامك همزة الاستفهام . فكما تقول في جواب رأيت زيدا : من زيدا ؟ كذلك قلت أيضا في جواب جاءني عمر : أعمروه . وأيضا فإن مدّة الإنكار لا تتصل بما قبلها اتصال مدّة الندبة بما قبلها ؛ ألا ترى التنوين فاصلا بينهما في نحو أزيدنيه ، ولا يفصل به بين المندوب ومدّة الندبة في نحو وا غلام زيداه ، بل تحذفه لمكان مدّة الندبة ، وتعاقب بينهما ؛ لقوّة اتصالها به ؛ كقوّة اتصال التنوين به ، فكرهوا أن يظاهروا بينهما في آخر الاسم ؛ لتثاقله عن احتمال زيادتين في آخره . فلمّا حذف التنوين لمدّة الندبة قوى اتصالها بالمندوب ، فخالطته فأثّرت فيه الفتح . ولمّا تأخّرت عنه مدّة الإنكار ولم تماسّه مماسّة مدّة الندبة له لم تغيره تغييرها إياه . ويزيدك في علمك ببعد مدّة الإنكار عن الاسم الذي تبعته وقوع ( إن ) بعد التنوين فاصلة بينهما ؛ نحو أزيدا إنيه ! وأزيد إنيه ! وهذا ظاهر للإبعاد لها عنه . وأغرب من هذا أنك قد تباشر بعلامة الإنكار غير اللفظ الأوّل . وذلك في قول بعضهم وقد قيل له : أتخرج إلى البادية إن أخصبت ؟ فقال : أنا إنيه ! فهذا أمر آخر أطمّ من الأوّل ؛ ألا تراك إذا ندبت زيدا ونحوه فإنما تأتى بنفس اللفظ الذي هو عبارة عنه ، لا بلفظ آخر ليس بعبارة عنه . وهذا تناه في ترك مباشرة مدّة الإنكار للفظ الاسم المتناكرة حاله ؛ وما أبعد هذا عن حديث الندبة ! فإن قلت : فقد تقول في ندبة زيد ( وا أبا محمداه ) فتأتي بلفظ آخر ، وكذلك إذا ندبت جعفرا قلت : وا من كان كريماه : فتأتي بلفظ غير لفظ زيد وجعفر .